المقالات

طنجة العالية

محتوى الموضوع:

طنجة العالية

طنجة - سور المعاكيز- image
تقع مدينة طنجة في شمال المملكة المغربية حيث تعتبر نقطة تلاقي بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من جهة وبين القارتين الأوروبية والأفريقية من جهة أخرى، و تعد هذه المدينة سادس أكبر تجمع حضاري في المغرب من حيث عدد السكان.
طنجة العالية - Image maps
أسست هذه المدينة في القرن الخامس قبل الميلاد كحاضرة أمازيغية ومرفأً لسفن التجارية و العسكرية.  و يمتد تاريخ هذه الحاضرة إلى مرحلة إزدهار الحضارة اليونانية القديمة، تأثرت بتعاقب العديد من الحضارات المتعاقبة على هذه المدينة و ذلك نظرا لكونها واحد من أهم المراكز الإستراتيجية متوسطية. 

تعد مدينة طنجة من بين أقدم مدن المغرب حيث يدرجها المؤرخون والجغرافيون كالحسن الوزان وغيره ضمن قائمة المدن الأزلية، و قد آختلف الكثير على تسمية المدينة بطنجة فمنه من ذكر أنها كانت تدعى قديما بأسم تِنْكا  و تِتْكا  و تِنْكِيس و تَنْتْدِيا و طنكِير و هي إصطلاحات لكلمة أمازيغية  معناها بالعربية ذات المكان المرتفع أو العالية وهذا الوصف لا زال يطلق على المدينة إلى الان، فحين هنالك من يقول على أن أصل كلمة طنجة يرجع إلى قصة الطوفان حيث ضلت سفينة نوح الطريق و خلال البحث عن اليابسة، حطت حمامة فوق السفينة و في رجليها شيء من الوحل، فصاح ركّاب السفينة "الطين جا، الطين جا"، أي اقتربت اليابسة، بالإضافة إلى ما سبق هنالك من يرجع أصل التسمية تعود لأسطورة أنتي ابن بوسيدون الذي سمى مستعمرته على إسم زوجته طنجيس.
طنجة العالية - image2
استعادت طنجة توهجها خلال فترة الفتوحات الإسلامية حيث كانت مركز إنطلاق لفتح الأندلس، ولي أمرها طارق بن زياد، لكن سرعان ما سقطت في يد الأمازيغ الغير مسلمين الذين جعلوا منها عاصمة لهم و كان ذلك سنة 740 م، آستمر نفودهم على المدينة لمدة قاربت 51 سنة لتعود مرة أخرى تحت هيمنة الخلافة في الشرق و ذلك لمدة لم تزد على السنتين؛ حيث بايع أهالي طنجة إدريس بن عبد الله العلوي. وفي سنة 904 م استطاع الفاطميون اقتحام مدينة طنجة وقطع الدعوة الإدريسية بها، لكن إخلاص أهل طنجة للمذهب الزيدي ورفضهم للتعاليم التي فرضها الفاطميون عليهم جعلهم يعيدون البيعة للحسن الحجام الإدريسي سنة 905 م، ظلت مدينة طنجة خاضعة لحكم الأدارسة، لكنها تعرضت فيما بعد للعديد من الهجمات القادمة من الشمال على يد الأمويين الذين نجحوا في إنهاء الدولة الإدريسية وبالتالي الخضوع لسلطة الأمويين ثم العامريين بالأندلس.

خلال مرحلة حكم الأموين و العامريين لطنجة، ظهرت مجموعة من التوترات المذهبية بين السنة والزيدية الشيء الذي آدى إلى إقحام المدينة في متاهة من سيبسط سيطرته عليها، ظلت الصراعات قائمة إلى حين غزو المرابطين لهذه المدينة و كان ذلك سنة 1084 م، حيث تم فرض المذهب السني المالكي على أهالي طنجة، وتم إسقاط الدعوة الزيدية بها بشكل نهائي.

بعد مرحلة حكم المرابطين، و في سنة 1145 م، سقطت طنجة في يد الموحدين الذين جعلوا منها مركزا عسكريا لقواتهم، و قد استمرت السلطة الموحدية في طنجة حتى سنة 1239 م حيث أعلن سكان طنجة ولاءهم بعد ذلك لأمراء سبتة العزفيين، فخلال فترة حكمهم لها عرفت المدينة نهضة حضارية كبيرة، و كانت فترة بزوغ إسم الرحالة الشهير إبن بطوطة. 

بعد انتهاء إمارة العزفيين للمدينة، استول الأمراء المرينيين سنة 1327 م على طنجة واستغلوها كمركز عسكري للدفاع عن الأندلس وميناء لعبور المتطوعين الراغبين في آسترجاع الفردوس المفقود ، فخلال هذه الفترة شهدت طنجة إحدى أهم المواجهات الصليبية - الإسلامية وهي معركة طنجة التي اندلعت بعد محاصرة البرتغاليين لطنجة بقيادة الدوق هنري في حين تولى أمر الجنود المسلمين كل من   القائدين صالح بن صالح وأبي زكرياء يحيى الوطاسي وقد انتهت هذه المعركة في أكتوبر 1437 م بهزيمة للبرتغاليين و آنتصار المسلمين.
طنجة العالية - image3
خلال فترة حكم كل من  المرينيين و الوطاسيين، كانت مدينة طنجة بمثابة مركز لجوء للفارين من الأندلس. حيث استقبلت مئات الأسر من مناطق مختلفة من الأندلس وبالأخص من الجنوب الأندلسي كما أنها أصبحت إحدى أهم موانئ الاستقبال لهؤلاء الفارين بدينهم والذين آستوطن بعضم بوادي شمال المغرب و مدن العرائش و تطوان و شفشاون و فاس و سلا.

في سنة 1471م و بعد محاولات عدة نجح البرتغاليون في آحتلال طنجة الذي تحولت إلى ثكنة عسكرية برتغالية في شمال أفريقيا. حافظ البرتغاليون على علاقتهم مع السكان المحليين الباقين في المدينة مدركين على أن مصدر الثورة غالباً ما سيكون دينياً وبالتالي احترموا مجبورين عقائد السكان و دياناتهم، ظلت طنجة تحت سيطرة البرتغاليين إلى حدود 1580 م، حيث انتقلت المدينة للحكم الإسباني بعد الانفصال الفعلي لمملكة البرتغال. ثم انتقلت ملكية المدينة بعد ذلك إلى ملك إنجلترا تشارلز الثاني، كمهر للأميرة كاثرين من براغانزا. وقد قام الإنجليز بإعادة بناء الميناء الذي مكنهم في ما بعد من السيطرة على مضيق جبل طارق وبالتالي السيطرة على الملاحة في كل البحر الأبيض المتوسط.

لم يسلم المستعمر الأجنبي طوال فترة احتلاله لمدينة طنجة من محاولات استردادها تارة عبر الغزوات البرية المنظمة للقبائل المجاورة و تارة عبر قراصنة البحر الذين حاولوا نهجه كسبيل لهم. و استطاع الأمير أحمد الخضر غيلان استرداد مدينة طنجة سنة 1678 م. لكن سرعان ما استولى الجيش العلوي المغربي على مدينة طنجة بقيادة السلطان المولى إسماعيل بن الشريف العلوي و كان ذلك سنة 1684، حيث قام بتصفية الخضر غيلان و ضم طنجة  إلى باقي المغرب.

عرفت مدينة طنجة ثورة حضارية و ثقافية خلال فترة حكم كل من السلطانين العلويين المولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله . فبعد استرجاعها من يد المستعمر الإنجليزي، استعادت طنجة دورها العسكري والدبلوماسي والتجاري كبوابة على حوض البحر الأبيض المتوسط، و شهدت هذه المدينة نهضة عمرانية ضخمة حيث شيدت الأسوار والحصون والأبواب. وازدهرت الحياة الدينية والاجتماعية، بنيت المساجد والقصور والنافورات والحمامات والأسواق، بالإضافة إلى الكنائس والقنصليات والمنازل الكبيرة الخاصة بالمقيمين الأجانب، و أصبحت طنجة عاصمة ديبلوماسية بعدد مهم من القنصليات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق